السيدة عائشة المنوبية تلميذة أبو الحسن الشاذلي وأبو سعيد الباجي
قديم 10-06-2016, 07:01 PM رقم المشاركة : 1
معلومات العضو
عضو
إحصائية العضو






  رمزي is on a distinguished road

رمزي غير متواجد حالياً

 


افتراضي السيدة عائشة المنوبية تلميذة أبو الحسن الشاذلي وأبو سعيد الباجي


السيدة عائشة المنوبية تلميذة أبو الحسن الشاذلي وأبو سعيد الباجي.... تلك المرأة ذات الجمال المشرق، كما وصفها سيدي بلحسن، والذكاء الوقّاد وتلك الشخصية القوية ... أحرقوا اليوم مقامها... إنه فصل جديد من معركة الإسلام الصوفي والإسلام الخارجي بتونس....ولكن تونس تنتصر دائما للإسلام الصوفي... فمن تكون سيدة تونس "السيدة عائشة المنوبية"؟

عاشت السّيدة المنوبية في مدينة تونس، خلال القرن الثالث عشر الميلادي، في ظل الدولة الحفصية. وكانت امرأة متعلّمة ومتعطشة للحرية، واقترنت قصتها، على امتداد سبعين سنة، بتاريخ مدينة تونس، عاصمة إفريقية الحفصية.
ولا تخلو محاولة رواية قصة امرأة شهيرة من مدينة تونس، في القرن الثالث عشر، في العهد الحفصي من التجاسر والمجازفة، ذلك أن التعليم بمدينة تونس خلال العهد الوسيط لم يكن متاحا للمرأة، التي لم تكن تتمتع بأي نصيب من الحرية، وكانت مجرد عنصر من تركيبة اجتماعية تخضع لسيطرة السلطة الأبوية ويسودها الجهل وتتداخل وتتمازج فيها عدة مكونات.
وتفيد المصادر بأن " النساء المتعلمات" لم يكنّ يمّثلن، خلال القرن الخامس عشر، سوى حالات معزولة من المحظيـات (مومسات الطبقة الرفيعة) وأغْلبهن من الأجنبيات القادمات من المشرق العربي أو من الأندلس، أو نساء استثنائيات ينتمين إلى السلالة الحاكمة آنئذ، أي الحفصيين، واكتسبن شهرتهن من المؤسسات الخيرية التي أنشأنها في العاصمة الحفصية.
غير أن امرأة برزت في مدينة تونس الحفصية في القرن الثالث عشر، وطبقت شهرتها الآفاق، مع أنها لم تكن محظية ولا هي بالحاضنة، ولا هي بالأميرة ذات النفوذ، بل كانت بنتا متقدة الذكاء من بنات الشعب، تطلعت إلى أخذ نصيب من العلم والحرية: تلك هي السيدة المنّوبية.
فمن كانت هذه المرأة، التي غدت رمزا من رموز مدينة تونس، لا يقلّ شأنا ومنزلة عن شيخها ووليّها الصالح، سيدي محرز بن خلف؟


ومما يدل على هذه المنزلة، إطلاق اسمها على أحد أحياء العاصمة وهو حي منّوبة، الذي يوجد به ضريحها، وعلى ممر تحت أرضي يُعرف بـ"داموس السّيدة" أو" داموس المنوبية"، وعلى زاوية بحي منّوبة، وعلى خلوة تقع على هضبة الزلاج وعلى مسجد الصفصافة، الذي كانت تتعبد فيه رفقة شيوخها. وقد عثرت على آثاره خلال إنجاز أشغال ترميم زاوية سيدي عبد الله الشريف. وتمثل هذه الأماكن المحطات، التي مرت بها هذه المرأة الاستثنائية، في مدينة تونس الحفصية خلال القرن الثالث عشر الميلادي. ذلك أن السّيدة هي في الآن نفسه امرأة ومجموعة من المعالم، وحيز جغرافي وتاريخي.
وقد جدّت أحداث هذه الصفحة من التاريخ خلال الفترة الفاصلة بين سنتي 595 هـ./1197 م. الموافقة لتاريخ ميلاد عائشة الهاشمية المنوبية بنت الشيخ المرابط عمران أو عمر بن الحاج سليمان المنوبي وفاطمة بنت عبد السميع المنوبي، التي أصبحت لاحقا تُعرف بـ" السيدة المنوبية" أو "السيدة" فحسب، وسنة 665 هـ./1267 م.، وهي السنة التي رحلت فيها عائشة عن هذا العالم . وعلى هذا الأساس تكون عائشة المنوبية قد عاشت خلال العقد الأخير من القرن الثاني عشر والنصف الأول من القرن الثالث عشر الميلاديْين.


وقد ُولدت هذه الشخصية، التي تحتل مكانة خاصة في ذاكرة وقلوب سكان مدينة تونس، والتي اقترنت حياتها بتاريخ علمْين من أعلام التصوف بها، هما الشيخ أبي سعيد الباجي (551ـ628 هـ. /1156ـ 1230 م.) والشيخ أبي الحسن الشاذلي(593ـ656 هـ./1196-1258 م.)، في قرية صغيرة تقع على بعد 6 كلم إلى الشمال الغربي من مدينة تونس وتعرف بـ"منوبة"، في بيت متواضع اتخذته عائلتها مسكنا لها، وكبُرت فيه. هذا من الناحية التاريخية.
أما الحيّز الجغرافي الذي شهدت فيه السيدة المنوبية النور فهو إفريقية، وتحديدا مدينة تونس وضواحيها.
وكان المشهد السياسي والاقتصادي والديني خلال تلك الحقبة من تاريخ إفريقية، لا يبعث البتة على الاطمئنان. فقد انعدم الأمن مما يفسر تنامي الحاجة إلى الإيمان وإلى اللجوء إلى أصحاب الكرامات، ممن يملكون ناصية العلم والذين كانوا ٌيلقبون بالأولياء الصالحين، بحثا عن الأمان والطمأنينة. وغنيّ عن القول أن حالة انعدام الأمن ساعدت على بروز السيدة المنوبية وأسهمت في تحويلها إلى ملجإ يـَعتاذ به الناس بحثا عن الطمأنينة والأمان، بعد أن اكتسبت، بفضل علمها وورعها، رداء من القداسة.
وفعلا، اتسمت الفترة التاريخية الفاصلة بين سنتي 595 هـ./1197 م. و665هـ./1267م.، حسبما تٌفيد المصادر، بالتحولات السياسية الهامة والتناحر والمؤامرات وحركات تمرد والحروب والصراعات الدينية. ومما زاد في تعقيد هذا الوضع المصاعب الاقتصادية التي كانت البلاد تتخبط فيها نتيجة لتعاقب أعوام الجفاف.
وقد سعينا، في سياق استعراض سيرة السيدة المنوبية، إلى استقراء نَسَبها، الذي يتيح لنا الكشف عن جزء من مسيرتها. وُيستفاد من نسبها أنها تنتمي إلى عائلة تنتسب إلى قبيلة بني هاشم العربية الشهيرة، التي ينتمي إليه الرسول محمد صلى الله عليه وسلم وإلى حركة المرابطين الإصلاحية الشهيرة أيضا. وعلى هذا الأساس فليس من باب الصدفة أن يحمل والدها اسم "عمران"، وهو اسم والد السيدة مريم، أو عُمر، نسبة إلى ثاني الخلفاء الراشدين، وأن يُلقب بالشيخ وفقا للتقاليد الُموحّدية. وليس من قبيل الصدفة أيضا أن يكون اسم والدتها " فاطمة"، نسبة الى ابنة الرسول صلى الله عليه وسلم ، وأن يكون اسم جدها "عبد السميع". ولعل سلسلة النسب هذه رسمت لابنة قرية منّوبة طريقا قادها إلى مستقبل واعد وهيأها لمصير مغاير لما هو مألوف.
وهناك أيضا ثلاثة معالم هي بمثابة العلامات البارزة على الطريق الذي سلكته عائشة المنوبية في مسيرتها الحياتية.
وأول هذه المعالم هو البيت العائلي بحي منّوبة، الذي شهدت فيه النور والذي عادت إليه وتوفيت بين جدرانه ولكنها لم تُدفن فيه. وثاني هذه المعالم هو ذلك المعلم التذكاري الذي تعلوه قبّة والمشرف على حي "مونفلوري الأعلى" جنوب مدينة تونس. وقد شيد هذا المعلم تخليدا لذكرى موضع مرت به في طريقها إلى هضبة الجلاز أما ثالث هذه المعالم، فهومدفن عائشة، الواقع في الناحية الشمالية الغربية من حديقة القرجاني الذي يطلق عليه بعض أهل العلم والدراية، وهم قلّة،، تسمية " مقام السر" .
ولم نعثر لهذا المدفن على أي أثر أو شاهد.
وقد ُولدت عائشة وعاشت في زمن تجذر فيه المذهب المالكي، إلا أن الماسكين بزمام السلطة في إفريقية آنئذ لم يتخلوا تماما عن انتمائهم الفكري إلى الحركة الموحدية.
وإذا كانت المعالم العمرانية، التي نُسبت إلى عائشة، تحدد وتضبط محطات لمسيرتها المكانية أو الجغرافية، فبإمكاننا أيضا تحديد ثلاثة محطات زمنية هامة في حياة هذه المرأة، التي كانت على موعد مع تاريخ إفريقية وتاريخ مدينة تونس، بشكل خاص، على امتداد سبعين سنة.
لقد ولدت عائشة في إفريقية في أعقاب ضمّها إلى الإمبراطورية الموحدية، في ظل حكم عبد المؤمن (1152-1153م.). وكان مؤسس الدولة الحفصية بإفريقيّة أبو حفص وخلفاؤه يحملون لقب "الشيخ"؛ وهو لقب أصبح يُخلع على كل العلماء وكل "الأولياء الصالحين" بمدينة تونس وضواحيها الذين عُرفوا بتبحرهم في العلم. وكان أفراد السلالة الحاكمة في إفريقية آنئذ يحملون لقب "الـسيّد". ولا ريب في أن ابنة قرية منوبة حملت هذا اللقب، أي "السيدة"، تماشيا مع ذلك السياق الموحدي الذي أثّر فيها تأثيرا عميقا.
وتوافق المرحلةُ الزمنية الأولى من حياة السيدة الفترةَ الموحدية؛ وهي المرحلة من تاريخ هذه السلالة الحاكمة التي سادها الاضطراب.
وخلال هذه المرحلة من حياتها أدركت "السيدة" بأنها تختلف عن الآخرين، لكونها تملك بعدا عجائبيا لم يكن المحيطون بها ينظرون إليه بعين الرضا. وفعلا كان مجتمع القرن السابع الهجري، الثالث عشر الميلادي، ينظر إلى هذه البنت غير العادية على أساس أنها شاذة ويعاملها بالتالي معاملة من بهم جنون.
وأحست البنت عائشة، التي كانت متعطشة إلى المعرفة والحرية، أنه لم يعد بإمكانها البقاء في منوبة، التي غدت فيها محل فضول الجميع. كما تعرّض والدها إلى انتقادات أهل القرية بسبب سلوكها وهيئتها التي تنمّ عن الكثير من التحرر والخروج عن المألوف. لذلك قررت مجابهة مدينة تونس ، تونس السلطة وتونس العلم، التي كانت تجتذبها إليها ثلاث شخصيات كانت تسمع عنها. و هم أبو سعيد الباجي، الذي سيلقى وجه ربه بعد ثلاثة عشر سنة، باعتبارنا في سنة 1217، وأبو الحسن الشاذلي، الذي أصبحت من تلاميذه الأوفياء، والأمير أبو محمد عبد الواحد. وكانت عائشة آنئذ في سن العشرين. وكانت تتميز بذكاء استثنائي وتتمتع بمقدار غير هيّن من الجمال أنها كانت فعلا امرأة جميلة. ولنكْتفِ في وصف جمالها بتلك العبارة التي وردت على لسان الشيخ أبي الحسن الشاذلي، الذي قال متحدثا عن أول لقاء له بها على عتبة" المغارة" (الغار الذي كان يتعبد فيه): " لقد طالعتني امرأة ذات وجه مشرق".
وقد استحوذت السيدة بفضل هذا الجمال المشرق وهذا الذكاء الوقّاد وتلك الشخصية القوية على قلوب العامة، مثيرة في نفس الوقت مخاوف واحترام الحاكمين وبعض العلماء ممن كانوا يتصفون بالحكمة والذكاء. ولكنها أثارت أيضا حنق وغيظ البعض الآخر منهم.. لذلك قررت السيدة الانتقال إلى الحيّز الجغرافي للسلطة. فغادرت قرية المنشأ إلى مدينة تونس.
أما المرحلة الهامة الثانية في حياة عائشة، فقد ارتبطت، على وجه الخصوص، بفترة حكم أبي محمد عبد الواحد الذي لا ريب في أنه أسدل عليها حمايته. وترى بعض المصادر في هذا السياق أنه ما كان لعائشة أن تصبح امرأة حرّة، لولا إرادة الرجل، الذي كان يمسك بزمام السلطة؛ وبلغت عائشة، في نهاية حكم أبي محمد عبد الواحد، من العمر أربعا وعشرين سنة. ومن بين الأماكن المفضلة لديها، خلال هذه الفترة الثانية من حياتها، جبل إشكل وجبل زغوان، اللّذان كانا يُعتبران من معاقل التصوف، وهضبة الجلاز ومقبرة بني خراسان وجبل المنار بضاحية سيدي بوسعيد، الذي يُعتبر منطقة نفوذ وإشعاع أبي سعيد الباجي، ومسجد الصفصافة، الذي كانت تلقي فيه خطبها بلغة تكاد تستعصي على فهم العامة من الناس. وكان سكان مدينة تونس ينذهلون لسماع هذه المرأة الحرّة، تلفظ كلاما اعتادوا سماعه من أفواه الرجال، الذين ارتقوا عاليا في مراتب العلم. وقد قرأت عائشة القرآن الكريم وسعت إلى فهمه وتدبّره. وليس ذلك غريبا، حيث أنها أخذت العلم على أيدي أبي سعيد الباجي وأبي الحسن الشاذلي، مما أتاح لها التشبّع بآراء المفكرين والمتصوفة المشرقيين.
وكانت عائشة في الثلاثين من العمر، عندما اعتلى أبو العلاء إدريس بن يوسف سدّة الحكم. وكان أبو العلاء، وهو حفيد عبد المؤمن، َوالِي إشبيلية السابق، يحمل لقب "السّيد". وكان هذا الأمير ينظر إلى عائشة بعين الرضا. ولعلّه كان ، في قرارة نفسه، يقدّر في هذه الشابة، التي ستحمل فيما بعد مثله لقب "السيدة"، ذكاءَها وشجاعَتها. وقد اشتهر أبو العلاء " بطغيانه وممارساته الاعتباطية". غير أن" سّيدة" تونس لم تكن هي شخصيا عرضة لهذه الممارسات، ربما بسبب الهالة التي كانت تحيط بها، والتي جعلت هذا الطاغية يرهبها.
وقد ورد بمناقب السيدة عائشة المنوبية أن أحد السلاطين احترقت لحيته، فجاء يطلب المغفرة من "السيدة"؛ ولعلّه يكون أبا العلاء بالذات... لذلك فإن "السيدة" وأهالي تونس استبشروا عندما تعرض هذا الأمير المكروه للخلع وحلّ محله على رأس البلاد أحد أحفاد أبي حفص، الشيخ محمد بن عبد الواحد (1227/1228 م.)، الذي استقر بمدينة تونس سنة 632 هـ-1226 م. غير أنه حدث ما لم يكن في الحسبان، مما زعزع أركان السلم بمدينة تونس وهزّ سَكِينة أهاليها. ذلك أن الخليفة الموحّدي بمراكش عّين بدلا من الشيخ محمد أخاه أبا زكرياء يحي، الذي دخل تونس سنة 625 هـ.-1228 م. وظل أبو زكرياء يحي في السلطة طويلا، وذلك من سنة 1228 إلى سنة 1249م.
وهنا تبدأ المرحلة الثالثة، وربما الأكثر أهمية في حياة "السيدة"، التي دخلت سنتها الخامسة والثلاثين. وقد أصبحت "السيدة" تلازم الوالي الحفصي ملازمة الظل لصاحبه وكانت ترافقه أينما حل، خاصة بعد أن انتهى بها المقام إلى مكان غير بعيد عن "القيصرية"، مقر الحكم؛ وأصبحت من الوجوه المألوفة بالحي الحفصي، الواقع غير بعيد عن المرتفعات المطلة على بحيرة السيجومي المعروفة بـ "شرف" ومن بين المرتادين لمسجد"الصفصافة"، المكان المفضل لدى المتصوّفة. و علاوة على ذلك، فٌتح في وجهها ، خلال هذه الفترة من حياتها، مكان يحظى باعتبار كبير، وكان دوما حكرا على الصفوة من الرجال، وهو مصلى العيدين، ذلك الجامع المحصّن الذي تم تشييده بأمر من أبي زكرياء سنة 627هـ - 1229 م. وكانت العلاقة التي تربط بين "السيدة" والسلطان علاقة خاصة ومتينة، حيث أصبحا يشكلان معا "ثنائي النفوذ السياسي والنفوذ الروحي". ولم يخفَ أمر هذا الثنائي وما يشكّله من أهمية على أحد وجوه السلطة الدينية في ذلك العصر، وهو إمام من أئمة جامع الزيتونة المعمور، فبادر بمؤازرة هاتين الشخصيتين اللتين هيمنتا على مدينة تونس في منتصف القرن الثالث عشر. وبذلك كسبت عائشة حاميا آخر. إلا أن التعصّب الديني أعمى بصيرة البعض الآخر من رجال الدين؛ حيث ورد ببعض المناقب أن فقيها، لم يُذكَر اسمه، ولعله ابن البرة المهداوي، طلب من الأمير الإذن برجم عائشة، لأنها كانت تجتمع بالرجال و تخرج من بيتها بدون قيد... إلا أن الأمير، الذي ورد ذكره في المناقب، والذي لا ريب في أن المقصود به هو أبو زكرياء، رد على هذا الحقد والغضب الذي عبّر عنه الفقيه بجملة واحدة، داعيا إياه إلى اعتبار عائشة "رجلا من ضمن بقية الرجال". وعلى أساس أنها كانت صنْوًا للرجال، الذين ارتقوا في مراتب المعرفة، أتيح لها ارتياد مصلى العيدين، ذلك المكان الذي كان حكرا على أولي الأمر والمقرَّبين من البلاط وبعض العلماء، وتبليغ رسالتها إلى الأوساط العلمية والقول إنها "سيدة الرجال" باعتبارها تتلمذت عن العالمين الأجلين أبي سعيد الباجي وأبي الحسن الشاذلي.. وكانت" السيدة" تجوب شوارع مدينة تونس، داعية إلى وحدانية الله والى الزهد والبساطة...
وكانت عائشة أيضا وفية للتقاليد الموحّدية الأصيلة ومتشبثة بها، تماما مثل شيخها أبي الحسن الشاذلي وأميرها أبي زكرياء. وفعلا كان أبو زكرياء متشبثا بـ" المثال الإسلامي الأعلى" من خلال المذهب الموحدي، الذي ضحّى في سبيله بكل شيء. ولا ريب في أن حرصه على خدمة هذه المُثل هو الذي حدا به إلى حقن مجلس الشيوخ الموحدين بدم جديد، من إفرازات حضارة أكثر رقة وترفا، والمقصود بذلك المسلمون القادمون من أسبانيا.
ولعل السيدة تقمّصت شيئا ما، شخصية أبي زكرياء، والتصقت بمدينة تونس، التي غدت مركزا هاما للمذهب الموحدي، حتى كادت تمثل وإياها كائنا واحدا.
وهكذا أصبح بإمكانها أن تصدع عاليا بتمجيد الإله الواحد الأحد، متنقلة في أرجاء الأحياء السلطانية الخاصة بهذه السلالة الحاكمة، التي تحولت تونس في ظلها، بإرادة أبي زكرياء، إلى عاصمة للحركة الموحدية. وكانت في دعوتها تلك تردد أصداء دعوة معلمّها الروحي أبي الحسن الشاذلي، الذي كان يخاطب ربه من أعلى هضبة "المغفرة " قائلا:" وحدناك بلا إله إلا الله، نزّّهناك بلا إله إلا الله، نعمى الذكرى لا إله إلا الله محمدا رسول الله"، وكذلك ملكها ومولاها الذي عبّر عن الفكر الموحدي في مجالي السياسة والعمارة. وفعلا ابتنى أبو زكرياء في تونس "مُصلى خارج الأسوار" واختط قلعة القصبة، مقر إقامة العائلة الحاكمة، وفقا لمخطط موحدي ودشّن في رمضان من عام 630 هـ./1233 م. مئذنة جامع "القصبة"، الذي أصبح، منذ ذلك التاريخ، جامع الموحدين.
وهكذا يتضح أن نجاح "السيدة المنوبية" وشعبيتها إنما يمثلان في الواقع نجاح الحركة الموحدية واتساع رقعة شعبيتها، ونجاح من مجّدوها ورفعوا رايتها مثل أبي الحسن الشاذلي وأبي زكرياء، الذي نجح في "إقرار السلم والأمن". وفي سنة 1242 م غادر أبو الحسن الشاذلي تونس قاصدا الإسكندرية، فيما شنّت مريدته الوفيّة حربَ أعصاب على ابن البراء؛ حيث أعلنت على رؤوس الأشهاد أنها "قطب الصوفية" و" قطب الرجال "و"قطب الأشراف" الذين ينتسبون إلى سلالة النبي محمد صلى الله عليه وسلم
وكان الأنبياء والخلفاء الراشدون وأعلام الإسلام والتصوف، هم القدوة التي اقتدت بها عائشة في تعميق ورعها وإيمانها وأخلاقياتها والمبادئ التي اتبعتها في حياتها، وهم الحجة التي اعتمدتها للتدليل على أن الإسلام هو أوّلا وقبل كل شيء أخلاق. كما أنها سعت إلى تبني خصالهم والاتصاف بصفاتهم. ولم يثنها تعيين الفقيه ابو القاسم علي بن البراء قاضيا على تونس (سنة 657 هـ.) عن الإمعان في ازدرائه واستفزازه، فكانت تردد فقرات من أوراد أبي الحسن الشاذلي وتقول إن الشيخ كشف لها الأسرار. ومما كان يزيد في غيض القاضي قولها أنها " رأت الله بعين القلب، مكمن اليقين". وكانت عائشة تعبّر بذلك على طريقتها عن غبطتها لاكتشافها للسبيل المؤدي إلى اليقين بوجود الخالق. وكانت تصدح بالقول: "إن الله خلقني وأحبني واصطفاني ورواني من معين المعرفة؛ وجعل مني قطب الأقطاب وزينة أحباب الله. وأنا شاذلية وليس هناك من يضاهيني في زماني". وكانت تقول أيضا: " شربت من كأس العلم ومن كأس الحلم ومن كأس اليقين ومن كأس الخشوع ومن كأس التواضع ومن كأس العفّة. وأنا دليل الرجال وإمامهم".
وقد غدت عائشة، التي بلغت في سنة 1249 سنتها الثانية والخمسين، امرأة مسموعة الكلمة مطاعة، مُهابة الجانب وذات نفوذ يبعث الرجفة في القلوب في مدينة تونس بأسرها، تماما مثل ملكها ومولاها الحفصي، الذي أعلن الموحدون في أسبانيا، (الناصريون) والموحدون في المغرب (المَرينيون) ولاءهم له، وسعت القوى الأوروبية إلى خطب ودِّه واتخاذه حليفا لها.
وتميّزت السنوات الأخيرة من عهد أبي زكرياء باستتباب الأمن، الذي ساد على الحدود وبداخل البلاد وعمّ قلوب الأهالي وملأها سكينة وراحة بال. إلا أن المنيّة عاجلت في سنة 647هـ./ 1249ـ1250م. ، ذلك الرجل الذي غدا رمزا لمدينة تونس الحفصية. وواصلت "السيدة"، التي كانت تكبر أبا حفص بأربع سنوات، مسيرتها في ظل حكم ابن حاميها أبي عبد الله محمد المستنصر وأمّه الأميرة عطف.
واتسمت السياسة الداخلية للمستنصر، الذي عُرف بنشاطه وحيويته، بالذكاء وبالنزوع الى الترف والأبّهة. إلا أن ذلك حدا به إلى التخلّي عن البساطة وعن "التواضع" الذي كان يتصف به والده. وعرفت "السيدة" ومدينة تونس في المستنصر ذلك الأمير الذي يحب البذخ وحياة الترف و" المظاهر التي هي من شيم الملوك العظام". ومن بين الشواهد على ذلك، المشاريع العمرانية الضخمة التي أنجزت في عهده. فقد أدخل المستنصر تحويرات على القصبة، فزادها أبهة وعظمة وأنشأ عددا من الحدائق الغنّاء، التي زادتها الفسقيّات بهاء وجمالا؛ ومن بينها فسقية "المركاض"،التي كانت الحديقة المفضلة لدى عائشة.
وكان من الطبيعي أن تصبح "السيدة"، أكثر من أي وقت مضى، المدافعَ الدؤوب عن الفقراء والمستضعفين وحتى الموحدين، الذين لم يكونوا ينظرون بعين الرضا إلى التغييرات الحاصلة في البلاط والتي لم تكن تستجيب لمثلهم الأعلى في البساطة والتقشف. وأصبحت عائشة أيضا، أكثر من أي وقت مضى، الملاذ المطمئن واللسان المعبّر عن تلك الحاجة الدفينة إلى الإيمان والى الفقر إليه تعالى. فكانت تخطب في الجموع في لغة المتصوفة المغلِقة التي تعبر من خلالها عن مخاوف وهواجس زمانها داعية إلى اللجوء إلى الملاذ الأخير، الله الواحد الأوحد.
وها هي السيدة تصل إلى عتبة الستين، وقد غدت امرأة منهكة القوى يهزّها الحنين والشوق إلى شيخها ومعلّمها أبي الحسن الشاذلي، الذي طالما عّبرت عن فكره بعبارات بسيطة، عبارات امرأة من الشعب تخاطب العامّة باللغة التي تفهمها. وقد اضطر الشيخ، بسبب ما تعرض له من اضطهاد ناجم عن غيرة بعض الفقهاء، وخاصة الفقيه بن البرّاء المهداوي، إلى الهجرة إلى الإسكندرية لمواصلة تدريسه هناك. وما انفكت "السيدة" تردّد ِورْد النصر، وهي تتطلع بأنظارها، المليئة شوقا وحنينا، ناحية المشرق وبالتحديد ناحية مصر، التي لبّى فيها الشيخ أبو الحسن الشاذلي داعي ربه في شهر صفر من سنة 656 هـ. ت 1258 م.، وهي نفس السنة التي سقطت فيها بغداد بين أيدي المغول بقيادة هولاكو.
وهكذا يتبين لنا أن قصة السيدة مرتبطة وثيق الارتباط بتاريخ إفريقية وتاريخ مدينة تونس بشكل خاص، من سنة 595 هـ. ـ 1197 م. إلى سنة 665 هـ.-1267 م. وهي السنوات التي توافق الفترة الموحّدية والمرحلة المجيدة والمزدهرة من عهد الحفصيين.
وقد اعتادت هذه المرأة، التي زعزعت تونس وبهرت البعض وأثارت حفائظ البعض الآخر في نفس الوقت، بذكاء فؤادها وفتنتها وشخصيتها الفذة، اعتادت مخاطبة الله عز وجل في وقت الضحى بهذا الدعاء:" أنت يا دليل الحيرانين، أنت يا مطمئن الوجْلانين، أكرمني برؤيتك، واجعلني أُدرك يقين وجودك". وكان أن استجاب الله لدعائها. فرحلت عائشة عن هذه الدنيا في شهر رجب من عام 665هـ.أفريل (أبريل) 1267 م. وبالتحديد في وقت الضحى.
لقد ضحت "السيدة" بحياتها العائلية ولم تتقيد بقيد الزواج في ذلك العهد الحفصي الموحدي، ورفضت الزواج بابن عمها الشقيق ولم ُترزق بالتالي أبناء. وبعد وفاتها غدا ضريحها ملاذا. وليس من باب الصدف أن يُدعى ضريحها بـ " مدفن السر"، ذلك أنه يحتضن رفات امرأة ما يزال فكرها ينطوي على أسرار دفينة.
وبذلك تنتهي قصة السيدة عائشة الهاشمية المنوبية؛ تلك المرأة العظيمة التي عاشت في القرن الثالث عشر والتي كانت جديرة بالاسم الذي سمّيت به. ولعلّه كان مقدَّرا لها أن تسمى كذلك. ألم يكن اسم الزوجة المفضلة للرسول محمد صلى الله عليه وسلم السيدة عائشة؟
لقد كانت السيدة المنوبية، التي هيمن طيفها على شوارع مدينة تونس الحفصية على امتداد سبعين سنة، أيضا مثال المرأة التي نجحت في حمل مشعل النضال بهدف انتزاع مكان لها في مجتمع القرن الثالث عشر، والمرأة التي جاهدت من أجل المعرفة والحرية.
المؤرخ د.عبد الجليل بوقرة







الصور المرفقة
اسم الملف نوع الملف حجم الملف التحميل مرات التحميل
manoubia.jpg‏  84.9 كيلوبايت المشاهدات 0
اسم الملف نوع الملف حجم الملف التحميل مرات التحميل
668_334_1463738000.jpg‏  38.2 كيلوبايت المشاهدات 0
رد مع اقتباس
قديم 10-08-2016, 06:39 AM رقم المشاركة : 2
معلومات العضو
إحصائية العضو







  مرابط is on a distinguished road

مرابط غير متواجد حالياً

 


افتراضي


بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما
بارك الله فيكم يا أخي على تنويرنا







رد مع اقتباس
قديم 10-08-2016, 10:34 PM رقم المشاركة : 3
معلومات العضو
عضو
إحصائية العضو






  رمزي is on a distinguished road

رمزي غير متواجد حالياً

 


افتراضي


بارك الله فينا وفيكم أخي الكريم اللهم أمين







رد مع اقتباس
إضافة رد
مواقع النشر (المفضلة)

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه للموضوع : السيدة عائشة المنوبية تلميذة أبو الحسن الشاذلي وأبو سعيد الباجي
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
علي بن أبي طالب رضي الله عنه ابو إسلام قصص الصحابة والخلفاء الراشدين 6 04-22-2017 03:22 PM
منزلة الحزن ابو إسلام السلوك وإتباع شيخ صادق عارف بالله 3 03-15-2017 02:42 AM
تفسير * من الاية رقم 25الى الاية رقم 29- سورة البقرة ابو إسلام القرآن الكريم وتفسيره 4 01-15-2017 08:24 PM
تفسير * من الاية رقم 30الى الاية رقم 37- سورة البقرة ابو إسلام القرآن الكريم وتفسيره 9 12-22-2016 12:43 AM
من قصص التابعين ابو احمد ويوسف قصص الصحابة والخلفاء الراشدين 8 10-31-2016 03:21 PM

الساعة الآن 05:13 AM

Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2017, Jelsoft Enterprises Ltd. 3oyon
جميع الحقوق محفوظة لمنتديات الزلزلة

مرحبا بزائرنا الكريم

لأننا نعتز بك .. نحن ندعوك للتسجيل معنا في مجتمعنا ولتكون أحد أفراد عائلتنا الودودة فهل ستقبل دعوتنا ؟ عملية التسجيل سهلة جدا ولن تستغرق من وقتك سوى أقل من دقيقة
Search the Web with WebCrawler